الحلبي
142
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
وفي رواية « أذن اختصارا » : أي أمر بالأذان ، أي وهذا المجمل الذي تشير إليه هو « فأذن صلى اللّه عليه وسلم على راحلته وأقام » : أي ويروى « أن بلالا كان يبدل الشين في أشهد سينا ، فقال صلى اللّه عليه وسلم : سين بلال عند اللّه شين » قال ابن كثير : لا أصل لرواية سين بلال شين في الجنة ، ولا يلزم من كون هذه الرواية لا أصل لها أن تكون تلك الرواية كذلك . وكان بلال وابن أم مكتوم يتناوبان في أذاني الصبح ، فكان أحدهما يؤذن بعد مضي نصف الليل الأول والليل باق ، والثاني يؤذن بعد طلوع الفجر » وروى الشيخان « إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم » أي وفي مسلم عن ابن مسعود رضي اللّه تعالى عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « لا يمنعن أحدا منكم أذان بلال أو قال نداء بلال من سحوره فإنه يؤذن ، أو قال ينادي ليرجع قائمكم ويوقظ نائمكم ، إنما يؤذن بليل بعد نصفه الأول ، فيرجع القائم المتهجد إلى راحلته لينام غفوة ليصبح نشيطا ويستيقظ النائم ليتأهب للصبح » . قال في الهدى : وانقلب على بعض الرواة ، فقال إن ابن أم مكتوم ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي بلال . أي وقد علمت أنه لا قلب وأنهما كانا يناديان ، فكان بلال تارة يؤذن بليل وابن أم مكتوم عند الفجر الثاني ، وتارة يكون ابن أم مكتوم بالعكس ، فوقع كل من الأحاديث باعتبار ما هو موجود عند النطق ، ولم يكن بين أذانيهما إلا أن ينزل هذا ويرقى هذا : أي أن ينزل المؤذن الأول من أذانه ويرقى المؤذن الثاني كما ذكر ، فمن كان يؤذن أولا يتربص بعد أذانه لنحو الدعاء ثم يرقب الفجر ، فإذا قارب طلوعه نزل فأخبر صاحبه فيرقى ويؤذن مع الفجر أو عقبه من غير فاصل ، وهذا هو المراد مما قيل « إن ابن أم مكتوم كان لا يؤذن حتى يقال له أصبحت أصبحت » . وعن ابن عمر كان ابن أم مكتوم يتوخى الفجر فلا يخطئه . وفي أبي داود عن ابن عمر « أن بلالا أذن قبل طلوع الفجر ، فأمره صلى اللّه عليه وسلم أن يرجع فينادي : ألا إن العبد نام ، فرجع فنادى : ألا إن العبد نام ، ألا إن العبد نام » أي غفل عن الوقت ، أو رجع لينام لبقاء الليل ، ولعل هذا كان قبل أن يتخذ ابن أم مكتوم مؤذنا ثانيا أو كان أذان بلال في هذه المرة بعد أذان ابن أم مكتوم على ما تقدم ، فلا مخالفة . والثابت في الجمعة أذان واحد كان يفعل بين يديه صلى اللّه عليه وسلم إذا صعد المنبر وجلس عليه ، كذا قال فقهاؤنا ، مستدلين على ذلك بحديث البخاري عن السائب بن يزيد قال « كان التأذين يوم الجمعة حين يجلس الإمام على المنبر في عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي اللّه تعالى عنهما » وليس فيه أن ذلك الأذان كان بين يديه ولما كثر المسلمون أمر عثمان رضي اللّه تعالى عنه ، أي وقيل عمر ، وقيل معاوية بأن يؤذن قبله على المنارة .